ما بين الصحة و الإقتصاد
تاريخ النشر: 08/04/2020 - عدد القراءات: 2822
ما بين الصحة و الإقتصاد
ما بين الصحة و الإقتصاد


بقلم: سامر عنبتاوي

 مدارس متعددة تعاملت و تتعامل مع الجائحة التي اجتاحت العالم ، استعرض أهم ٣ مدارس في هذا الإطار ،،،

المدرسة الأولى تقول أن الأولوية المطلقة يجب أن تجير لسلامة الناس ، و حسب هذه المدرسة فإن حكومات العالم إرتكبت جرائما بحق الإنسانية عندما وجهت الأمول الكبيرة و الجهود نحو التسلح و تكنولوجيا الرفاهية ، فيما أهملت تطوير القطاعات الصحية من إنتاج المعدات و الأجهزة المتطورة إلى الصرف على البحوث و الدراسات ، و حتى ذهبت هذه المدرسة للقول بأن هناك إهمالا للقطاعات الصحية داخل كل دولة كنقص المشافي و الأجهزة و غرف العناية المركزة فيها ، و لذلك و حسب رؤية أصحاب هذه المدرسة وجدت حكومات العالم أنفسها أمام وباء عالمي يفتك و يقتل و يشل دول بأكملها مما أبرز عيوب و ضعف المناعة الصحية و المجتمعية في مواجهة الوباء الأمر الذي انعكس على كافة القطاعات ، و  لذلك كله فإن أصحاب هذه المدرسة يؤيدون بقوة أن توجه كافة الجهود في إطار مرحلي و استراتيجي ، بمعنى توظيف كافة الإمكانات في فترة الوباء لمواجهته و حفظ و حماية حياة الناس مهما بلغت التكاليف و التضحيات ، حتى لو انهارت إقتصادات و عم الكساد العالم ، باعتبار أن حياة البشر و صحتهم أهم من أي قضايا أخرى ، و استراتيجيا حسب نفس المدرسة فإن كافة الجهود بعد انقضاء الوباء يجب أن تتجه إلى تطوير العمل الصحي و انهاء الإحتكارات الدوائية و رفع ميزانيات الصحة على حساب ميزانيات التسلح و تكنولوجيا الرفاه .

المدرسة الثانية تتجه إلى تبرير سياسة مناعة القطيع ، لتقول أن الوباء قد اجتاح فليمر و يأخذ معه من يأخذ فالبقاء للأقوى ، و لا يجب أن نرهن أو ندمر الإقتصاد و المقدرات في مواجهة خاسرة ، و أن من يرحلون غالبا هم من كبار السن ، لذلك فلنعيد بناء المجتمعات بقوة إقتصادية و تكنولوجية و لا نرتهن للحظة الوباء ، و تحت هذه المبررات يذهب أصحاب هذه المدرسة للقول ، إحموا الإقتصاد و القطاعات الإنتاجية و التجارية و اتركوا العجلة الإقتصادية تدور ، فلا قوانين طواريء و لا منع للتجوال و لا تعطل للحياة العامة ، و ليكن التعامل مع الوباء بعلاج من أمكن و من يسهل علاجه ،  فلتنزع الأجهزة التنفسية عن الكبار و المرضى المزمنين و لنحاول حماية من تبقى  و لكن ليس بأي ثمن و لا بتضرر الأقتصاد ، و يقود هذه المدرسة كبار الإقتصاديات الإحتكارية و المنفعية على حساب البشر.

أما المدرسة الثالثة فتقع بين المدرسة الأولى و الثانية ، بمعنى الطلب ببذل الجهود للتطوير الصحي و محاولات العلاج و توفير الأجهزة و المعدات و المشافي و في نفس الوقت الحفاظ على عجلة الإقتصاد ، و لذلك يروا أن الإجراءات الوقائية يجب أن تكون محدودة و مدروسة جيدا بحيث لا تؤثر على الإقتصاد أو على الأقل يكون تأثيرها محدودا ، و نرى أصحاب هذه المدرسة يطمئنوا الناس بأن تأثيرات الوباء يمكن السيطرة عليها و تحديدها ، و هم يعتمدون على مبدأ الذروة في الوباء و الرسوم البيانية التي تظهر تراجع أعداد الوفيات و الإصابات ، و زيادة حالات الشفاء .

صحيح أن الإقتصاد هام لحياة البشر و أن العجلة إذا ما توقفت فإنها ستترك كبير الأثر على الحياة ما بعد الوباء ،و لكن عن أي إقتصاد نتحدث ؟ عن إقتصاد ما قبل الوباء الذي استشرست فيه الرأسمالية المتوحشة و التي تاجرت بحياة البشر مقابل الكسب المادي ؟ أم عن المجاعات و البطالة و هدر الموارد و إهمال علاج الإنسان ؟ نريد للبشرية نوعا من الإنفراج الإقتصادي و لكن ضمن مباديء العدالة الإجتماعية و احترام قيمة الإنسان و حياته و صحته و حقه في الحياة الكريمة ، و هذا يتطلب أول ما يتطلب أن تصب كافة الجهود و الإمكانات لمواجهة الوباء و حماية حياة الناس أيا كان عرقهم أو دينهم أو مستواهم الإجتماعي أو أعمارهم ، و أعتقد أن أصحاب المدرسة الثانية اضطروا أمام شعوبهم و تفشي الوباء بين بينهم إلى القبول مرغمين بهذا التوجه ، و حتى أصحاب المدرسة الثالثة أيضا وجدوا أنفسهم أمام مساءلات الشعوب و العالم ، و لذلك فجهود حماية البشرية بكل القدرات يجب أن تستمر ، و بعد إنقاذ البشرية من الوباء  يجب التوجه لبناء نظام عالمي جديد يضع على قمة أولوياته صحة و حياة البشر ، و يحقق حالة من انقضاء المجاعات و الفقر ، و التخلص من الإحتكارات المالية و الإستغلال ، نحو نظام عالمي يتخلص من حالة القطب الواحد ، نحو عالم أكثر عدلا و مساواة .

 

كلمات مفتاحية
كورونا
فلسطين
أضف تعليق
تعليقات الزوار
لا يوجد تعليقات حالياً، ما رأيك أن تفتتح التعليقات؟
تقارير
آخر الأخبار
الباحث كريم قرط يمثل "يبوس" في مؤتمر فلسطين ومستقبل الشؤون الدولية باسطنبول
الباحث كريم قرط يمثل "يبوس" في مؤتمر فلسطين ومستقبل الشؤون الدولية باسطنبول
الباحث قرط يمثل يبوس في مؤتمر فلسطين الثاني بالدوحة
الباحث قرط يمثل يبوس في مؤتمر فلسطين الثاني بالدوحة
المقالات
تسليح المستوطنين.. هل تمهد للمواجهة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
تسليح المستوطنين.. هل تمهد للمواجهة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
محور فيلادلفيا ورفح.. معضلة خيارات الاحتلال “الإسرائيلي” في توسيع الحرب
محور فيلادلفيا ورفح.. معضلة خيارات الاحتلال “الإسرائيلي” في توسيع الحرب
الخيارات الإسرائيلية المعقدة في قطاع غزة
الخيارات الإسرائيلية المعقدة في قطاع غزة