إسرائيل ورهان الهوية والمواجهة.. ما الذي تغير؟
تاريخ النشر: 22/05/2021 - عدد القراءات: 2521
إسرائيل ورهان الهوية والمواجهة.. ما الذي تغير؟
إسرائيل ورهان الهوية والمواجهة.. ما الذي تغير؟


بقلم: كريم قرط، باحث في مؤسسة يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية

تشهد فلسطين، ونقول فلسطين تحديدا لتمثلها على مستوى الوعي والجغرافيا، مواجهة أقرب ما تكون إلى الشاملة مع الاستعمار الصهيوني. فمع بداية شهر رمضان2021 بدأت المواجهات الفلسطينية المتحدية والمقاومة لسياسات الاستعمار وجرائمه في القدس على خلفية انتهاكات الاستعمار ومحاولته تهجير سكان فلسطينيين من حي الشيخ جراح، والاعتداء على المسجد الأقصى ومحاولة فرض واقع جديد في مدينة القدس يهدف إلى إزالة الوجود العربي من الحيز المادي للمدينة. وسرعان ما تخطت المواجهات القدس لتشمل المدن الفلسطينية المستعمرة في الداخل الفلسطيني، لتتبعها المقاومة الفلسطينية بالدخول على خط المواجهة في انسجام مع الهبة المقدسية ضد الاحتلال وجرائمه.

 توسع المواجهة في الداخل المحتل

خرجت في بداية أحداث القدس عدة مظاهرات في مدن الداخل الفلسطيني مساندة لحي الشيخ جراح والمقدسيين الذين يواجهون سياسات الاستعمار في القدس، وعقب الاعتداء الصهيوني على المرابطين في المسجد الأقصى لمنع المستوطنين من اقتحامه في ما يُسمى "ذكرى توحيد القدس" خرجت فعالية احتجاجية في مدينة اللد، التي يسكنها 30 ألف فلسطيني من أصل 80 ألف، بجوار المسجد الكبير في المدينة. قامت مجموعة من المستوطنين بالاعتداء على تلك الفعالية وإطلاق النار على المشاركين فيها، ما أدى إلى استشهاد الشاب موسى حسونة وإصابة ثلاثة شبان آخرين.  ولم تقتصر الاعتداءات الصهيونية على الفلسطينيين في اللد، بل توسعت وازدادت حدتها لتشمل الاعتداء على الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم في الداخل المستعمر.[1]

ثار الفلسطينيون في الداخل ضد سياسات الاستعمار واعتداءات مستوطنيه عليهم، حيث توسعت الأحداث وشهدت تصعيدا عربيا غير مسبوق شمل مواجهات بمختلف الوسائل، من المظاهرات إلى المواجهة مع الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين إلى استخدام الأسلحة النارية في المواجهات. ويرى الصحفي توفيق محمد، صحفي فلسطيني من النقب، أن هناك ثلاثة أسباب دفعت الفلسطينيين في الداخل للثورة ضد الاستعمار ومستوطنيه: حيث إن السبب الأول نابع من رفض مطلق لمحاولات الدولة طمس الهوية العربية، عبر رفض قانون القومية، وهذا الاتجاه من المظاهرات يتركز في أم الفحم والناصرة؛ السبب الثاني هو الانتقام من عمليات إطلاق النار والقتل العمد الممارس بحق المواطنين العرب، وهذه الاحتجاجات تركزت في منطقة المركز كيافا واللد؛ أما الثالث فجاء متناغماً مع الأحداث التي تشهدها مدينة القدس.[2]

دخول غزة على خط المواجهة

جاء حدث دخول غزة على خطة المواجهة في القدس تابعا لسلسة الجرائم الصهيونية التي استهدفت القدس خلال شهر رمضان المبارك، التي بلغت ذروتها بالاعتداء على المرابطين في المسجد الأقصى في صبيحة يوم الإثنين 10 أيار الجاري، الذين اعتصموا في باحات المسجد الأقصى لمنع المستوطنين من اقتحامه. أعلنت كتائب القسام في ذات اليوم، أنها تمهل العدو حتى الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم للتراجع عن اقتحامه للمسجد الأقصى وإطلاق سراح المحاصرين فيه، وجاء ذلك بعد تحذير أخير من القائد العام لكتائب القسام وجهه للاحتلال للتراجع عن سياساته العدوانية تجاه القدس وأهلها. وفي تمام الساعة السادسة قامت كتائب القسام بالإيفاء بوعدها وقصف القدس ردا على عدوان الاحتلال.[3] أعلنت إسرائيل عقب ذلك عملية عسكرية ضد قطاع غزة تحت مسمى "حارس الأسوار"، للتتطور الأمور بعدها إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع قطاع غزة.

كانت هناك في البداية تخوفات لدى البعض من أن دخول غزة على خط المواجهة سيؤدي إلى حرف الأنظار عن هبة القدس واحتجاجات الداخل المتصاعدة، ما قد يؤدي إلى التأثير سلبا على الهبة الشعبية وتراجع زخمها لحساب الحرب التي تشنها إسرائيل ضد قطاع غزة. إلا أن دخول غزة على خط المواجهة جاء متزامنا ومعطيا دفعة للاحتجاجات العربية في الداخل، فقد استمرت الاحتجاجات العربية وتصاعدت حدتها على وقع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

دخول الضفة الغربية على خط المواجهة

في تزامن مع اندلاع هبة القدس، كانت هناك احتجاجات مساندة لها في الضفة الغربية، وبعد دخول قطاع غزة على خط المواجهة وانخراط فلسطينيي الداخل في المواجهة المفتوحة مع الاستعمار، كانت الأنظار موجهة نحوا الضفة الغربية لما لها من ثقل وتأثير في مجرى الأحداث في حال التحاقها بالمواجهة مع الاحتلال.

ومع أن هناك عقبات كثيرة تكبّل الفلسطينين في الضفة الغربية وتمنعهم من الانخراط في المواجهة على مستوى مماثل للفلسطينيين في الداخل، من حيث التغول الأمني والسياسات الاقتصادية التي تنأى بهم عن القضايا الوطنية لحساب المسائل الشخصية وغيرها، إلا أن الضفة الغربية التحقت فعليا في هذه المواجهة مع الاستعمار نصرة ومساندة للقدس وقطاع غزة. وقد شمل انخراط الضفة في المواجهة مختلف أشكال الاحتجاج والمقاومة، من المسيرات السلمية في مراكز المدن ونحو نقاط التماس، إلى إطلاق النار على جنود الاحتلال ومهاجمة نقاط عسكرية، وإحراق نقاط وإبراج عسكرية للاحتلال.[4]

شكل دخول دخول الشعب الفسلسطيني في كافة الجغرافيا الفلسطينية حالة تكامل والتحام يحدث للمرة الأولى منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وقد وصلت ذروة الاندماج والالتحام الفلسطيني، جغرافيا وديموغرافيا، في يوم 18 أيار عند دخول الشعب الفلسطيني في الداخل والضفة الغربية الإضراب والمواجهة مع الاحتلال على خلفية الدعوات الشعبية للإضراب العام من البحر إلى النهر.[5]

تفكيك الهوية الفلسطينينة: الخطاب والممارسة

حاولت إسرائيل طوال السنوات التي تلت انتفاضة الأقصى ترسيخ عزل الشعب الفلسطيني عن بعضه جغرافيا وهوياتيا، حيث شددت الحصار على قطاع غزة، وأمعنت في فصل الداخل الفلسطيني عن الضفة الغربية التي طوقتها بجدار الفصل العنصري. وفي مقابل هذا الفصل الجغرافي عملت إسرائيل على عزل تقسيم الشعب الفلسطيني على مستوى الوعي والهوية لحساب هويات فرعية تنطلق من الحيز الجغرافي وتفاعله مع السياسات الإسرائيلية التي تحتلف حسب السياق والمكان.

وفي هذا الإطار، هناك خطابان تقريبا، يتجليان على شكل سياسات وممارسات تفرضها إسرائيل على الشعب الفلسطيني المقسم جغرافيا بين الداخل والضفة الغربية وقطاع غزة.

·        الأسرلة

بالنسبة لفلسطيني الداخل، الذين تقسمهم إسرائيل إلى مسلمين ومسيحيين ودروز وبدو بناء على اعتبارات دينية ومناطقية لقطع ما اتصل بينهم من هوية فلسطينية، فتحاول إسرائيل الترويج لخطاب المواطنة ودمج الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي، وهي العملية المعروفة بـ"الأسرلة" نسبة للدولة، فالفلسطينيون لن يصبحوا صهاينة بطبيعة الحال، حيث أنها لا تعني تماثل العرب شعورياً مع الدولة اليهودية، أو انصهارهم ثقافياً في المجتمع الإسرائيلي، بل تعني قبولهم، أو استسلامهم، للوضع القانوني الذي يعيشون في إطاره باعتبارهم مواطنين عرباً في دولة إسرائيل ورغبتهم في استغلال هذا الوضع، أي المواطنة، لتحسين أوضاع حياتهم اليومية من عمل، تعليم، خدمات، وغيرها.[6]

وعملية الأسرلة هذه ليست أسلوبا واحدا، وليست حديثة، بل هي سياسة قديمة متجددة. حيث يرى د. مهند مصطفى أن الأسرلة الأولى، التي ترافقت مع قيام إسرائيل حتى السبعينيات، نبعت من حالة خوف من طرف العرب ناتجة عن سياسات إقصاء من طرف إسرائيل، أما الأسرلة في سنوات الثمانينيات فنبعت من تبلور فكر سياسي في صفوف الفلسطينيين ربط بين المكانة المدنية في إسرائيل وبين حل الدولتين لشعبين، وبعد أوسلو ظهرت الأسرلة كنتاج مباشر لهذا الفكر، وساعد على ذلك وجود حكومة إسرائيل (حكومة رابين 1992-1995) كانت تسعى إلى دمج العرب في المجتمع، واستعانت بالأحزاب العربية ككتلة داعمة للحكومة مقابل تمرير اتفاق أوسلو في الكنيست.[7] ويضيف مصطفى نمطا ثالثا للأسرلة على مستوى الوعي تمثل في ممارسات مؤسرلة ترى أن الحل يكمن في اندماج الجماهير العربية في إسرائيل والتماهي مع سلوكيات إسرائيلية مثل التصويت لأحزاب صهيونية عن قناعة (ليس خوفا) وحتى رفع أعلام إسرائيل وعودة الاحتفال باستقلال إسرائيل.[8]

ولكن مصطفى يجادل أن هناك نمطا جديدا من الأسرلة مختلف عن ما سبقه، غير نابع من الخوف، ولا مربوط مع خطاب سياسي له صلة بالقضية الفلسطينية، ولا خطاب يطالب بالاحتفال بإسرائيل والاندماج الجماعي. وإنما هي أسرلة تتميز بنزعة الخلاص الفردي، الذي ينطلق من اعتبار أن خيار الفرد للتقدم يكون عبر الاندماج في اللعبة الإسرائيلية حصرا، فضلا عن أن هذا الاندماج يكون فرديا، لأنه لا يمكن أن يكون الاندماج جماعيا في دولة كإسرائيل.[9]

ظهر جليا في الفترة الأخيرة، خلال جولات الانتخابات الإسرائيلية السابقة، أن خطاب الأسرلة المتمثل بمسألة الخلاص الفردي كان يمثل الدعاية الأبرز للأحزاب الصهيونية، وخصوصا حزب الليكود بزعامة بنيامين ناتانياهو، الموجهة للفلسطينيين في الداخل المستعمر. فقد تسابقت الأحزاب الصهيونية على استقطاب أصوات العرب في الانتخابات مقابل وعود بتحسين ظروف العرب والمدن والبلدات العربية ومحاربة الجريمة في الوسط العربي. تمثل هذه حالة الاستقطاب الصهيوني للعرب هذه ذروة عملية نفي الهوية الفلسطينية وتفتيتها، فتحول العرب للتصويت لأحزاب صهيونية يمينية تجاهر بالعداء للعرب وتسعى من خلال مؤسسات الدولة وقوانينها إلى محو وجودهم هو تعبير عن خبوت الحس الوطني الفلسطيني الجمعي لدى أفراد هذا المجتمع.

·        السلام الاقتصادي

تسعى إسرئيل لفرض تصور لحل القضية الفلسطينية، التي اختزلتها في أراضي 67، بعيد عن الحل السياسي الذي تمخض عن اتفاق أوسلو القائم على حل الدولتين، ويتمحور هذا التصور بفكرة "السلام الاقتصادي"، التي تسعى إسرائيل من خلالها إلى تمرير رفضها للانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 وحق العودة وتقسيم القدس وإزالة المستوطنات، للتخفي بأهدافها العنصرية وراء الواجهة الاقتصادية، وتسييج جدار مضادّ حول خطوط حدود مطاطية مرنة، يضمن لها استغلال الحجة الأمنية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية واستغلالها في الاستيطان مقابل بعض التسهيلات الاقتصادية التي سوف تقدمها للجانب الفلسطيني.[10]

طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو تصوره للسلام الاقتصادي عام 2008 في مؤتمر هرتسيليا الذي اعتبر فيه أنه يجب أن يظهر للجمهور الفلسطيني أن ثمة إمكانية لتحسين حياته، معتبرا أن السلام الاقتصادي يرتكز على قوّتين: الأمن الإسرائيلي وقوى السوق. ليس الحديث عن مبادرات دعم للبيروقراطية الفلسطينية التي تضخّمت منذ أوسلو، بل يجب علينا خلق جزر من الازدهار الاقتصادي، وقواعد من الأمل بديلاً للإسلام المتطرف. وجاءت "صفقة القرن" متوافقة مع تصورات نتانياهو لحل القضية الفلسطينية بعيدا عن الحل السياسي، إذ جاء في  تقرير صادر عن "معهد أبحاث الأمن القومي" أنه بالإمكان الفهم من أقوال كوشنر أن الجوانب الاقتصادية ستُستخدم كطُعم للفلسطينيين من أجل أن يقدموا تنازلات في قضايا أخرى مرتبطة بتطلّعاتهم القومية.[11]

يسعى تصور السلام الاقتصادي إلى تغير طبيعة الصراع، من صراع جماعي بين الفلسطينيين القابعين تحت الاستعمار الإسرائيلي وهو ما يسعون إلى التخلص منه إلى صراع حول تحسين ظروف الحياة على المستوى الشخصي بفضل ما ستقدمه إسرائيل من امتيازات في هذا الإطار. عند ذلك تتوقف المقاومة السياسية الوطنية للمشروع الصهيوني وتصبح المقاومة، إذا كانت هناك مقاومة، حول تحسين ظروف الاستعمار لا التخلص منه.

وفي غزة كان الأمر، حتى بداية المعركة الحالية، لا يشذ عن هذا الإطار، فلو عدنا لمطالب المقاومة الفلسطينية في الحروب والمواجهات السابقة لوجدناها تتمحور حول ظروف حياتية بامتياز، وإن كانت على مستوى جمعي نظرا لأن الظروف الحياتية الصعبة ناتجة عن الحصار الإسرائيلي الخانق على القطاع. ففي حرب 2014، مثلا، كانت مطالب المقاومة الفلسطينية تتمحور حول إنشاء مطار في قطاع غزة وإعادة تفعيل الميناء وتوسيع منطقة الصيد البحري إلى 12 ميلا بحريا وإلغاء المنطقة العازلة داخل القطاع وضمان حرية الحركة على المعابر وإعادة الإعمار.[12]

ما يعنيه ذلك هو أن البعد الوطني الفلسطيني الجمعي كان قد بهت على مستوى الممارسة والوعي الفلسطيني لحساب أبعاد فرعية ذاتية ومناطقية. فالحرب في غزة تتركز حول سياسة الاحتلال ضد غزة، والسلوك الشعبي في الضفة الغربية يتركز حول حيثيات الحياة اليومية، وحتى في القدس والداخل الفلسطيني كانت الاحتجاجات حتى وقت قريب تطالب بالإصلاح على مستوى القضايا التي يعاني منها فلسطينيو الداخل، مثل الجريمة في الوسط العربي. ما يعني أنه كان لكل جزء من الشعب الفلسطيني معركته وقضاياه الخاصة النابعة من الحيز الجغرافي الضيق الذي شكله الاستعمار.

 

في وصل ما انقطع

خاضت إسرائيل حربا جنونية ضد قطاع غزة تستهدف البنية التحية والمدنيين الغزيين بشكل عنيف جدا فاق ما قامت في حروبها السابقة ضد قطاع غزة، ويرى العديد من المحليين أن إسرائيل تفعل ذلك بسبب رد فعل المقاومة الفلسطينية وقدراتها القتالية المتطورة التي استطاعت من خلالها توجيه ضربات مؤلمة للاستعمار الصهيوني. فإسرائيل في حروبها مع المنظمات غير الدولانية تعتمد أسولب التدمير والاستهداف الكثيف للأهداف المدنية نظرا لعجزها عن استهداف الأهداف العسكرية من مقاومين وعتاد عسكري.

جاء الحديث للمرة الأولى عن "عقيدة الضاحية" عقب الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006 على لسان "غادي آيزنكوت" قائد المنطقة الشمالية في حينها، "سنستخدم قوة غير متكافئة ضد كل قرية تُطلق منها النار على إسرائيل، وسنُلحق بها ضرراً ودماراً هائلين. إنها، من وجهة نظرنا، قواعد عسكرية."  وأضاف: "هذه ليست توصية. إنها خطة وقد تم إقرارها." معتبرا أن محاولة اصطياد مطلقي الصواريخ حماقة.[13]

ومع أن النهج التدميري ليس جديدا على السلوك الإسرائيلية، إلا أن إسرائيل أعلنت صراحة عن نهجها التدميري هذا في مواجهة المنظمات غير الدولانية، مثل حزب الله وفصائل المقاومة اللبنانية، وهو يعبر عن حالة عجزها عن هزيمة المقاومة عسكريا، وعوضا عن ذلك يتم استهداف المدنيين والبنة التحتية لتشكيل حالة ضغط على المقاومة لردعها عن الاستمرار في مقاومة الاستعمار الصهيوني، ولكن تتمكن إسرائيل من الخروج من الحرب بصورة انتصار ما.  ولذلك يرى العديد أن إسرائيل تشن حربها ضد قطاع غزة من هذا المنطلق، في الظل الحديث الإسرائيلي المتكرر عن فقدان الردع أمام قطاع غزة.

إلا أن هناك مسألة أخرى أكثر حساسية تجعل إسرائيل تهاجم غزة بهذا الجنون، فهذه المعركة تختلف في أسبابها وأبعادها عن سابقاتها. فقد دخلت المقاومة الحرب لأجل القدس بالدرجة الأولى، وليس لمطالب تتعلق بقطاع غزة فيما يخص رفع الحصار عنه. وفوق ذلك تضع المقاومة الفلسطينية في غزة شروطا للتهدئة تتعلق بالقدس بشكل أساسي، ففي لقاء مع خالد مشعل أعلن أن شررط المقاومة للتهدئة تتمثل بخروج الاحتلال من المسجد الأقصى ووقف جريمة تهجير سكان حري الشيخ جراح، إضافة إلى وقف العدوان ضد قطاع غزة.[14]

تمثل مطالب المقاومة هذه حالة اندماج فلسطيني وتكامل للشعب الفلسطيني والجغرافيا الفلسطينية، تخرج من إطار الاعتبارات المناطقية الجزئية لإطار وطني أعم تعود القضية الفلسطينية لتكون فيه وحدة واحدة تشمل كل أجزاء الوطن الفلسطيني. وبناء على ذلك، فإن نجاح المقاومة في فرض شروطها في هذه المعركة هو ضرب في الصميم لمشروع التجزئة وتغييب الهوية الفلسطينية الجمعية. وإسرائيل تدرك هذه الحقيقة، وتدرك أن المقاومة تسعى إلى توسيع قواعد اللعبة بحيث تصير المقاومة الفلسطينية مخولة بالرد ضد أي عدوان على الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، تبدأ اليوم هذه الخطوة بالقدس وغدا تتبعها الضفة الغربية وأراضي 48. وإذا تحقق ذلك، فإن مسألة تجنب إسرائيل لحرب ضد قطاع غزة يعني أن عليها أن تتجنب الاعتداء على الشعب الفلسطيني في كل مكان.

إنها معركة الوصل ضد الفصل، التي تشاهدها إسرائيل الآن تهدم ما عملت على بنائه عبر السنوات الطويلة الماضية، وتشاهد الشعب الفلسطيني في كل مكان يشارك فيها بمختلف الوسائل والأساليب على أساس أهداف وطنية عامة تتخطى المكان والزمان الصهيونيين لتعيد تشكيل الوعي والهوية الفلسطينية.

ولم يؤدِ المقاومة العسكرية إلى حرف الأنظار عن الهبة الشعبية، بل زادتها قوة. ويمكن القول أن المواجهة مع الاستعمار الصهيوني كانت دائما عاملا مهما في إعادة إحياء الهوية الفلسطينية ووقف عملية تمييعها، ففي أبحاث كمية أجريت خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية تبين أن الانتفاضة عززت الهوية الفلسطينية لدى الطلبة الفلسطينين في الداخل، وأدت في المقابل إلى تراجع الهوية المُأسرلة لديهم.[15] في حين أن عملية السلام مع الاستعمار الصهيوني تضعف الهوية الفلسطينية لدى فلسطيني 48، فعقب اتفاق أوسلو ابتعد فلسطينيو 48 عن الهوية الجمعية الفلسطينية، لأن اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بانسحابها من تمثيل مصالحهم كان مدعاة للتركيز على المصالح والمطالب والأوضاع الخاصة بالفلسطينيين داخل "إسرائيل".[16]

وعليه، فالمواجهة الفلسطينية الجمعية الحالية مع الاستعمار الصهيوني كانت بمثابة الضربة لسياسات طمس الهوية الفلسطينية وتجزئتها، ومحاولات الالتفاف على القضية الفلسطينية بالتوصل لاتفاقات سلام تطبيعية مع بعض الدول العربية، وعملت على رفع أسهم القضية على المستوى العالمي وتحشيد الدعم والمساندة العربية والدولية لها.



[1]  الجزيرة: هل تندلع انتفاضة ثالثة؟.. هكذا انخرط فلسطينيو 48 باحتجاجات القدس والأقصى، https://cutt.us/0UzvF

[2] عربي بوست: هبّة في القدس وتصعيد في غزة وطوارئ في اللد.. هل تشهد فلسطين انتفاضة جديدة، https://cutt.us/W35FM

[3]   العربي الجديد: "القسام" تنفذ وعيدها وتقصف القدس المحتلة، https://cutt.us/ZNtkm

[4]  صحيفة الأخبار: توحّد مع المقاومين وانفضاض عن السلطة: الضفة تبدع في المواجهة، https://cutt.us/RXKHd

[5]  صحيفة الأخبار: الإضراب يعمّ فلسطين من النهر إلى البحر، https://cutt.us/xUNf4

[6] محمود ميعاري، هوية الفلسطينيين في إسرائيل: هل فلسطينية – إسرائيلية؟، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 3، العدد 10، (ربيع 1992)، ص 44.

[7]  مهند مصطفى، حول مقاربة جديدة لمفهوم الأسرلة، https://cutt.us/s6kUa

[8] المرجع السابق.

[9] المرجع السابق.

[10] رائد حلس، السلام الاقتصادي وصفقة القرن وفق نظرية الأمن الإسرائيلي، https://cutt.us/GaTLK

[11]  صحيفة الأخبار: «السلام الاقتصادي»: رؤية «الملك بيبي» لإنهاء اللعبة، https://al-akhbar.com/Palestine/272476

[12] الجزيرة: مطالب المقاومة الفلسطينية للتهدئة مع إسرائيل، https://cutt.us/NqZ0S

[13]  غادي آيزنكوت وآخرون، "نهج الضاحية": عقيد التدمير الإسرائيلية، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 20، العدد 77 (شتاء 2009).

[14]  TRTعربي: مشعل يكشف لـTRT عربي عن مطالب وشروط المقاومة للتهدئة، https://cutt.us/mZCPy

[15] محمود ميعاري، سبق ذكره.

[16] المرجع السابق.

تم طباعة هذا المقال من موقع يبوس للإستشارات والدراسات الاستراتيجية (yabous.info)

© جميع الحقوق محفوظة

(طباعة)